أرشيف أبريل, 2008

شمعة

أبريل 28, 2008

رغم  أنني لا أحب أسلوب الأستاذ تركي الدخيل في إدارة الحوار، ومقاطعته المتكرّرة للضيف، وأسئلته التقريرية، و… و… و… (باقي الثقوب)، إلا أنني استمتعتُ كثيراً بلقاء الدكتور سعد الصويّان  [أستاذ الاأنثروبولوجيا بجامعة الملك سعود] ، وأحببتُ جدته “مزنة” التي تشبه جدتي “عايدة” إلى حدٍ كبير.

 

كالعادة، أساء الكثيرون فهم ما تحدّث عنه الصويّان، واستصرخ أحد الغيورين جموع المسلمين مطالباً إياهم بضرورة نُصرة الرسول (صلّى الله عليه وسلّم) والقصاص ممن أساء إليه في “بلاد الحرمين” بطريقة مثيرة للشفقة، وكأن الدكتور سعد جاء إلى العربية بكرّاس رسم و رسم الرسول على الطريقة الدنماركية!

ولم يفت الغيور أن يتطاول على “الدكتور” بكل بذاءة ويصفه بـ “السافل” سائلاً المولى جلّت قدرته أن يريه فيه عجائب قدرته، ليؤمّن المارقون من بعده على دعائه، مضيفين عليه ما تيسّر من أدعية ظلّت لفترة طويلة حكراً على “إخوان القردة والخنازير”.

 

يا ناس يا هووه، د. سعد “سافل”؟

والله لا أراه إلا “شمعة” أسأل الله أن يعمّ بنورها أرجاء البلاد!

   

 

 

الموؤودة

أبريل 25, 2008

قرأتُ عن “شرعا” كثيراً، لكن لم يجلدني سوى الدكتور علي* :  

الثانية عشرة وعشر دقائق، منتصف النهار: جرس المدرسة يعلن نهاية يوم دراسي ومعه انطلقت بشائر الطالبات هرجاً وفرحاً بالعودة لأحضان والدين ولأركان منزل. جلست – شرعا – واجمة فاحمة وتسللت تحت الطاولة الأخيرة في ذات الفصل: كان صوت الجرس يتغلغل في أحشائها مثل طعنة سكين. كان الجرس بالنسبة لها موعداً يومياً مع وجبة العذاب الدائمة على يد والدها فكانت المدرسة هدنة مؤقتة للملمة الجراح ما بين السابعة والربع حتى الثانية عشرة وعشر دقائق. لم تسمح سنوات – شرعا – التسع بمزيد من الخيال ولم يكن عقلها الصغير يسمح لها بشيء من الحيلة كي تتجنب كل قصص المأساة التي تنهال على جسد طفلة من أربعيني قالت لها الحياة إنه الأب. لم تكن شرعا حتى بين العشرين الأول في فصل هي به الواحدة والعشرون. كانت المدرسة لها مجرد رحلة هروب إلى مفترقين: هدنة قصيرة بين فصول العذاب، وأخرى لتسرق بها نظرات بائسة موغلة في الحزن لصورة أمها المطلقة وهي تسحبها بين فينة وأخرى من درجها لتبثها الهمس الباكي الحزين: أين أنت، وأين كل شهم على هذه الأرض من قصة – سنوات تسع – لا تعرف فيها غير أصوات سلسلة من حديد مزقت عظامها إلا من فاصل قصير بين طابور الصباح وجرس نهاية المدرسة.
تكورت – شرعا – تحت الطاولة. حاولت أن تتمرد على الخروج. اطمأنت قليلاً لنجاح الحيلة. عشرون دقيقة من السكون حتى قاطعها ميكرفون الحارس المدرسي: شرعا.. شرعا.. شرعا.. شرعا.. شرعا.. وهنا عرفت مصيرها المحتوم فوالدها على بوابة المدرسة.
أخرجوها من تحت الطاولة ذابلة مثل أرنب يشاهد لمعة السكين. ومع خطوتها الأولى خارج باب المدرسة كان شعرها في يد والدها وكان يحملها به نصف متر إلى السماء وأرجلها إلى جاذبية لا تسمح بالاقتراب من الأرض. برجله اليسرى، ركلة واحدة على أسفل الظهر فاستقرت بالمقعد الخلفي مثل كرة طائشة. عند كل إشارة حمراء بالطريق للمنزل، كان والدها يستثمر الانتظار: يفتح الباب ثم يهوي عليها بعقال أسود غليظ: كان صراخها يصل لجاذبية السماء فلا يصل لكل الطابور أمام الإشارة فأوقات بهائم الأرض لا تقاس بإنسانية قلب، بل بالوقت الفاصل بين الإشارة الحمراء والخضراء. وصلت للمنزل: ركلة هائلة بالقدم اليمنى على أسفل الظهر: للمرة الأولى، فقدت شرعا حركة نصفها السفلي. يأمرها الوحش بالوقوف. تحاول تنفيذ أمره فلا تستطيع مع خوفها من عصيان الأوامر. يسحبها بشعرها طول – الدرج – حتى أوصلها لحمَّام التعذيب. ما زالت شرعا تقاوم الحياة: تسمع صوت السلسلة الحديدية فتضع يديها خوذة على ما استطاعت من الرأس. ضربة أولى تهشم يديها، وأخرى وأخرى… تشرب دماءها التي تسيل وهي عطشى تقاوم الرمق الأخير وتستحلب الحياة. تمضغ أسنانها المتهشمة مع نزيع الموت. خمس وعشرون دقيقة من الآلام والعذاب والمأساة حتى وصل ملك الموت.
“ 

 ليست الأولى – يا علي- ولن تكون الأخيرة، فالمدارس مليئة بـ “شرعاوات” يتغلغل جرس نهاية الدوام في  أحشائهن كطعنة سكّين! 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* مقال الدكتور علي الموسى في جريدة الوطن  بتاريخ 15 أبريل 2008، العدد 2755

 

نظّفها تصبح بيضاء!

أبريل 17, 2008

توجّهت اليوم لغرفة الزميلات في محاولة بائسة لنفي تهمة “الإنطواء” عنّي.. دار الحديث عن أشياء كثيرة – كما هي العادة- لكن لفت انتباهي، أو بالأصح صعقني، حديث زميلة عن الطريقة السحرية لتبييض الأسنان في وقت قياسي ودون الحاجة لزيارة الطبيب باستخدام…. الكلوركس!

قالت بأنها تضع القليل منه في كأس صغير ثم تحضر أعواد القطن الخاصّة بتنظيف الأذن وتبلّلها قبل أن تبدأ بفرك أسنانها بحذر كي لا يصل الكلور للثة.. لم أصدّقها، وعقدتُ حاجبيّ وأنا أنظر إليها على أمل أن تخبرني بأنها مجرّد دعابة، لكنني ذُهلت عندما وافقتَها أخرى مؤكّدة (عن تجربة) بأن “الفلاش” أيضاً يقوم باللازم وبأقل مجهود!

 

تحدّثنا طويلاً، وحاولتُ جاهدة ألا أجرح شعورهن، لكننّي اضطررت إلى ذلك في النهاية عندما أخبرتهنّ بأنه لا يعقل تنظيف الأسنان بمنظفات المراحيض!

 

عدتُ إلى البيت وقبل أن أبدّل ملابسي توجّهت إلى دورة المياه وأخرجت “الفلاش” من مخبئه لأتأكد بأن ما دوّن على العبوة الخارجية لا يغري بالاستخدام الآدمي ( إلا في حالة فقدان الرغبة في الحياة).

 

بخوف وحذر شديدين أمسكت العبوة وبدأت أقرأ:

 

 خطر.

سُم يحتوي على كلوريد الهيدروجين.

ابتلاعه يسبّب الموت عادة.

يسبب التآكل.

لا تستنشق أبخرته أو دخانه.

يسبّب حروقاً كيميائية.

انظر الإسعافات الأولية على الجانب الآخر.

 

أدرت العبوة بفضول لأجد:

 

 ترياق مضاد للتسمّم:

باطني/ اتصل حالاً بالطبيب واشرب مقدار ملعقة شاي أو أكثر من المغنيسيا أو الطباشير أو قطع الصابون مع تخفيفها بالماء مع الحليب أو بياض البيض.

خارجي/ العيون: اغسل بالماء لمدة دقيقة واستدع الطبيب حالاً. امسح الحامض بلطف ونظّف مكانه بالماء والصابون ثم ادهن من المغنيسيا أو بيكربونات الصودا.

 

وفي أعلى العبوة كُتب: 

 

 يستخدم في تنظيف المراحيض والسيراميك فقط.

 

وضعتُ العبوة في مكانها وانطلقت إلى الشبكة العنكبوتية بحثاً عمّن يستخدم أو ينصح باستخدام هذين المنظفين لتبييض الأسنان، وراعني ما وجدت..

 

“دلّوعة حبيبها” تفرد موضوعاً مستقلاً في أحد المنتديات تشرح فيه فعالية استخدام قطرات “الكلوركس” في تبييض الأسنان وخصوصاً قبيل الذهاب للمناسبات الاجتماعية؛ لمظهر أكثر بياضاً!

 

فكّرت وأنا أبتعد عن الجهاز: هل سيرتاع “الحبيب” لو عرف بأن ثغر “دلّوعته” بنكهة “الكلوركس” ؟

 

 

لم أعد أبكي

أبريل 15, 2008

 استيقظتُ في تمام الثامنة صباحاً على صوت ارتطام عصفوري الصغير بقاعدة قفصه.. ركضتُ إليه وتأملّته وهو ينتفض لدقائق قبل أن يفارق الحياة..

 فقدتُ العديد من العصافير والقطط عندما كنتُ صغيرة.. كنت ألفّها في مناديل وأدفنها في “حوش” البيت خفية عن أمي، لأنها تقول بأن الإنسان فقط هو من يُدفن وليس الحيوانات.. كنتُ أنتحب في كل مرة أفقد فيها عصفوراً أو قطاً وأظل أراقبه وهو ميت لساعات وأتعجب من خلو جسده من الحياة بهذه الصورة المفزعة.. صمت رهيب وسكون يجعلك تشعر بأن لاشيء حقاً يستحق العناء.. لكن شعائر الحزن لا تلبث أن تنتهي بمجرد دفن المفقود والحصول على بديل!..

نعم، كان الأمر بالنسبة لي- رغم فداحته- ليس أكثر من لعبة فقد وبدائل.. عصفور أو قط جديد يسد الفراغ وينهي الأزمة.. لم أدرك معنى أن يموت إنسان وتفقده للأبد إلاعندما ماتت جدتي.. كنتُ حينها كبيرة بما يكفي لإدراك حجم الخسارة.. 

دون أن أذرف دمعة، وبعد أن حدّقتُ طويلاً في جثته الصغيرة، طلبتُ من “نور الجنة” أن تحمله برفق وتضعه في مكان لا تصل إليه القطط..