أبو هشام رجل في نهاية الثلاثينات من العمر، تزوّج شقيقتي قبل خمسة عشر عاماً وأنجب منها أربعة أطفال أكبرهم في الرابعة عشرة من عمره وأصغرهم في السابعة. شَعَر بتوعّك قبل عامين مع انتفاخ بسيط في المنطقة الاربية ( أعلى الفخذ) مصحوب بآلام تشتد عند المشي. راجع العديد من المستشفيات الحكومية والأهلية، ولم تتضح النتيجة بعد عمل التحاليل اللازمة والأشعة المقطعية والرنين المغناطيسي وأخذ خزعة من مكان الانتفاخ. احتار الأطباء في ماهية الكتلة، وهنا كان القرار باستئصالها لدراستها عن كثب.
أسفرتْ الدراسة الميمونة عن “درن”، وتم صرف مجموعة من الأدوية ليتناولها أبو هشام على مدى ثمانية أشهر. أخبره الأطباء بأن “الدرن” انخفض لأدنى مستوياته، لكنه لم يتحسّن. ما زال يشعر بالوهن وارتفاع في درجة الحرارة وآلام مبرحة في مكان الانتفاخ ونقصان ملفت في الوزن وأعراض أخرى، حيث أصيب بعد فترة بسيطة من عملية الاستئصال بجلطة في رجله عانى منها كثيراً.
بعد محاولات مستميتة نجح في الحصول على فرصة للعلاج في إحدى المستشفيات التخصّصية الكبرى في مدينة جدة. عاينته طبيبة سعودية وأثنتْ على جهود المستشفى الذي استأصل الكتلة لدراستها عن كثب، وهزّتْ رأسها موافقة على التقرير الطبّي الذي أشار إلى “الدرن” كمتهّم رئيسي لكل الأوجاع التي يعاني منها أبو هشام.
تابعتْ الطبيبة – دون أن تكلّف نفسها عناء إعادة تحليل العيّنة – العلاج، وقامت – مشكورة – بتكثيف الجرعات على مدى ثلاثة أشهر للقضاء على “الدرن”.
أحد عشر شهراً من العلاج لم تنجح في القضاء على المرض، فالاصفرار والذبول مازالا سيّدا الموقف. تحت وطأة الآلام طالب أبو هشام بإعادة تحليل العينة لتقع الطامة على رؤوسنا جميعاً: س ر ط ا ن في الغدد الليمفاوية.
كان الاكتشاف متأخراً بما فيه الكفاية ليصل السرطان في رحلته المرعبة إلى الدماغ. ثمان جلسات من العلاج الكيماوي أحالت الرجل ذو التسعين كيلو غرام إلى مجموعة عظام لا يتجاوز وزنها الأربعين كيلو غرام. تلتها جلسات علاج إشعاعي لمدة ثلاثة أسابيع أثّرت على جانبه الأيمن كاملا،ً وتقرّر بعدها إيقاف العلاج لضعف مناعته وانخفاض ضغطه.
اضطّر أبو هشام للبقاء في المستشفى في شهره الأخير لعجزه عن الحركة وتناول الطعام. بلا إنسانية، طلب منه الأطباء – أكثر من مرّه- مغادرة المستشفى بحجة أنهم قدّموا كل ما يستطيعون من أجله ولم يعد لديهم ما يقدّمونه. في إحدى المرّات خاطبه أحدهم بكل فظاظة:
- حالتك ما تسمح بجرعة كيماوي إضافية، لكن إذا ودّك تاخذ وقّع ع الأوراق وخذ.. وإذا ما ودّك روح بيتك وانتظر قضاء الله!
بكى أبو هشام، ووافق في محاولة أخيرة للتشبّث بالحياة، وربما للموت بعيداً عن أعين الصغار المترقّبة لعودته. وقّع على الأوراق التي رجّحت الوفاة كنتيجة محتملة لسريان الدواء في عروقه، وتمدّد خالياً إلا من حب مكين لعائلته البعيدة. اضطرب قلبه قبل نفاذ الجرعة، وانتقل لقسم آخر لمراقبته وسحب ما اجتمع من ماء في غشاء القلب. تكرّرت عمليات الامتلاء والإفراغ حتى أسلم روحه لخالقها فجر الإثنين، الثلاثين من يونيو (حزيران) الماضي.
إنا لله وإنا إليه راجعون.
اللهم اغفر له وارحمه، وأبدله داراً خيراً من داره، واجمعنا به في لقاء لا يعقبه فراق.
يوليو 19, 2008 عند 11:25 م
يعني حتى مو هم الي طلبو إعادة تحليل العينة؟!
ربنا يجازيهم ويصبّر قلب أختك وأولادها..
عَزّيها عنّي..
يوليو 28, 2008 عند 10:23 م
شايفة كيف يا نجاة؟
حسبنا الله ونعم الوكيل!
وصلت التعزية، الله يحفظك من كل شر ومكروه.
سبتمبر 8, 2008 عند 1:58 ص
الذين اذا اصابتهم مصيبة قالوا انا لله وانا اليه راجعون
انا لله وانا اليه راجعون
لله ما اخذ ولله ما اعطى فاصبرى واحتسبى
دعواتك
سبتمبر 26, 2008 عند 5:23 ص
إنا لله وإنا إليه راجعون، والحمدلله على كل حال يا أخي الكريم.
شكراً لزيارتك، ووفقنا الله وإياك لما يحبه ويرضاه.